رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

المذاهب الاجتماعية والفكرية

     إذا اتسعت ديانة لقبول المذاهب الاجتماعية والفكرية ، فهى من ذلك على إحدى وجهتين تتقابلان بل تختلفان إلى حد التناقض من هذه الناحية .

     إما هى ديانة تنفض يدها من أعمال الدنيا ، وتتجرد للمطالب الروحية أو غيرالدنيوية .

     وإما هى ديانة تنظر إلى الدنيا وتقيم قواعد للإصلاح الإجتماعى توجب اختيار الأوقات لتطبيقها على حسب دواعيها ومطالب البيئات .

   والمقرر فى المقابلة بين الأديان ـ أن المجتمع الإنسانى يتطلب نصيبه من الديانة وإنْ لم تشتمل على تعرض للسياسة الاجتماعية . فالديانات جماعية وفردية ، ألزم للجماعة وأولى بالقيام بها بين ظهرانيها .

     وكانت البرهمية ديانة « غير دنيوية » تقوم فى جوهرها على سوء العقيدة فى الدنيا والاعتقاد ببطلانها مغلبة الوهم على مظاهرها وخفاياها .

     ولم تتعرض المسيحية للتشريع ولا للسياسة الاجتماعية ، فقد نشأت فى بيئة ترجع بشرائعها المدنية إلى الدولة الرومانية التى قيل عنها إنها أم الشرائع ، بينما ترجع بشرائعها الدينية إلى « الهيكل اليهودى » الذى يطلق اسم الشريعة على الدين كله . وقد صرح السيد المسيح عليه السلام بأنه ما جاء يشرع .

     على أن الإسلام لم يتجنب مسائل الاجتماع لأن تجنبها ليس من طبيعة الدين ، ولكنه عنى بهذه المسائل كما يجب أن تدركها عقيدة الإنسان فى الجماعة البشرية .

     والمذاهب الاجتماعية ، ومعها المذاهب الفكرية ، كثيرة تتفرع على أصولها الكبرى ، وهى فى هذه الآونة : الديمقراطية ، والاشتراكية ، والعالمية .

     ويرى الأستاذ العقاد أن المسلم أحق بالديمقراطية من أتباعها المحدثين والأقدمين ، لأنه من أربعة عشر قرنًا يدين بمبادئ الديمقراطٌية الأولى : « التبعة الفردية ، والحكم بالشورى ، والمساواة بين الحقوق ، والمحاسبة بالقانون » .

     « وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ » ( الإسراء 13 ) .

« كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ » ( الطور 21 ) .

« وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ » ( الشورى 38 ) .

« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » ( الحجرات 10 ) .

« يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » ( الحجرات 13 ) .

     « وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً » ( الإسراء 15 ) .

   « وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ » ( فاطر 24 ) .

     وإيمان المسلم بهذه المبادئ يجعله صاحب حق فى اختيار ما يرتضيه من نظم الديمقراطية ، بل وفَرَضَ عليه واجبُ الدين وواجبُ المصلحة ـ أن يطلب الحكم على نظام من النظم التى تتوافر لها هذه المبادئ .

*           *           *

     وليس فى عقيدة المسلم ما يصده عن مذهب من المذاهب الاشتراكية الصالحة ، فهو بمبادئ الإسلام ينكر احتكار الثروة ، وينكر احتكار التجارة فى الأسواق ، ويفرض على المجتمع كفالة أبنائه من العجزه والضعاف والمحرومين .

   « كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ » ( الحشر 7 ) .

     ويمنع كنز الذهب والفضة « وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ » ( التوبة 34 ) .

     وفى الحديث الشريف « من احتكر طعامًا أربعين يومًا يريد به الغلاء فقد برىء من الله وبرىء الله منه » .

     ويحرم الإسلام أكل الأموال بالباطل من طريق التجارة بالديون .

   « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »(آل عمران 130) .

     وقد ظهر فى الإسلام فقهاء ـ اشتراكيون يستندون فى آرائهم إلى السنن الإسلامية ، ومنهم فقهاء المذهب الظاهرى ، وأشهرهم ابن حزم الظاهرى ، وله فى ذلك آراء استعرضها الأستاذ العقاد بإيجاز ، ليخلص منها بما فصله ابن حزم فى كتابه « المحلى » .

   ويرى الأستاذ العقاد أنه يناسب رسالة الدين أن يستوعب مذاهب الاجتماع دون أن يستوعبه مذهب منها ، فالمذاهب الاجتماعية تأتى وتذهب وتدخل عليها تعديلات وتبديلات جيلاً بعد جيل ، ولا يعقل أن يتغير جوهر ويقين الإيمان بحقيقة الوجود كلما تغيرت خطة من خطط تلك المذاهب .

     وقد أخذ بعض الغربيين على الإسلام أنه يعوق أعمال المصارف والشركات ، وربما كان الأستاذ العقاد بحاجةٍ بكتابه سنة 1961 ـ للرد على هؤلاء ، إلاَّ أن ذلك لم يعد له لزوم الآن بعد أن امتلأت الدنيا بأعمال المصارف والشركات فى الدول الإسلامية .

        وقد استوعب الإسلام مذاهب الاقتصاد فى كل ما يتعلق بالمصارف والشركات وقروضها وفوائدها دون أن يعوق مصلحة من مصالحها البريئة فى العرف المشروع .

     وإذا كان دين المسلم لا يمنعه من أن يتخذ ما يرى صلاحه من مذاهب الديمقراطية والاشتراكية ، فإن الوحدة العالمية أمل من آماله وغاية من غايات الخلق فى اعتقاده .

     وقد خلق الله جل جلاله الشعوب والقبائل لتتعارف وتصطلح على العرف الحسن والمعرفة الرشيدة لا تفاضل بينهم إلاَّ بالتقوى .

     « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » (الحجرات 13)

     وينبسط رواق الأخوة الإنسانية على جميع الأجناس والأقوام ، كما ينبسط على جميع الملل والديانات ، ولا فضل لعربى على أعجمى ولا لقرشى على حبشى إلاَّ بالتقوى كما جاء فى الحديث الشريف .

     وفى القرآن الحكيم : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ »(البقرة/ 62)

*         *         *

     وفى عقيدة المسلم عون له على النظر فى المذاهب الفكرية قديمًا وحديثًا .

     « وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ » (البقرة 251)

     « وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ »(الحج40)

وأول ما يعتقده المسلم فى مسألة الخلق أن الله خلق الإنسان من سلالة من طين وأنبته من الأرض نباتا وأنشأه مع سائر أبناء نوعه أطواراً كما جاء فى آيات متواردة من التنزيل :

     « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ » ( المؤمنون 12،13،14)

*         *         *

     « ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ » ( السجدة 6،7،8،9)

     « مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا » (نوح 13،14 )

     فإذا آمن المسلم بنشأة الإنسان من سلالة من طين وأنه يتقبل من الأرض نباتا ثم اتصل خلقه أطواراً ، فلا جناح عليه أن يتقبل ما يثبته العلم الصادق من نشأة تلك السلالة بين مادة الأرض من طين وماء ، وبين هذا الخلق السوى القويم ، أيا كان معنى السلالة فى الخبر الثابت ، غير مسئول أن يأخذ معناها مأخذ الإيمان باليقين .    

*         *         *

     وينهى الأستاذ العقاد هذا المبحث بأنه ينبغى للدين ـ وهو ما اختطه الإسلام ـ أن يطلق للمذاهب الفكرية مجالها فى المسائل المتجددة ، وأن المذاهب الفكرية ينبغى أن ترعى للدين حرمته فى المسائل الباقية ، فإن المذاهب تذهب ، والدين باق ، وليس بمتدين من يطرح عقيدة لأول بادرة يروق له فيها مذهب من المذاهب .

     فإذا كان من كلمه أخيرة ، فهى أن الإسلام لم يحجر فى أصل من الأصول ، على العقل وتفكيره ، وأن الجانب الذى وكّله إلى الإيمان من روح الإنسان هو الجانب الذى لا يستطيع الفكر أن يقول فيه كلمة أولى بالأتباع من كلمة الدين …  

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *