رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

عود على بدء

     يتساءل الأستاذ العقاد بعد هذا الشوط فى عرض المذاهب والآراء عن الإنسان ، تساؤلا لا يخفى أنه يلقيه وهو على ثقة من الجواب .

     ـ هل صحيح أن القرآن يلقى بالإنسان غريبًا منقطعًا فى القرن العشرين ( زمن تأليف الكتاب ) .؟

     والجواب الذى لا يتردد فيه ، أن القرآن على النقيض من ذلك ـ يضع الإنسان فى موضعه الذى يتطلبه ، فلا تسعده عقيدة أخرى أصح له وأصلح من عقيدة القرآن .. ذلك أن عصر العلاقات العالمية لا يتطلب « مواطنا » أصح وأصلح من الإنسان الذى يؤمن بالأسرة الإنسانية ، ويستنكر أباطيل العصبية ومفاخر العنصرية ، ويعترف بفضل واحد متفق عليه فى كل أرض وعشيرة ، هو فضل الإحسان فى العمل واجتناب الإساءة .

     ولا يسعنى وأنا أكتب هذه السطور عام 2016م ، بعد رحيل الأستاذ العقاد بنصف قرن ، إلاَّ أن أسجل أنه كان خليقًا أن يتعجب العجب كله ، ويندهش الدهشة جميعها ، لو قُيّض له أن يحيا ليرى ما نراه الآن من فصائل متأسلمة انجرفت إلى العنف وإراقة الدماء ، وابتعدت ابتعادًا مخيفًا عن عقيدة القرآن الكريم .

     وبدورنا نجيب بثقة وبلا تردد ، أن هذا الجنوح لم يأت من شريعة القرآن ، وأنه نابٍ مخالف مخالفة صارخة عن الإسلام ، وواجبنا أن نسبر أغواره وان نستطلع أسبابه لنواجه هذا الجنوح الشديد بما يستلزمه علاجه وتجفيفه .

     أمـــا القــرآن الكــريم ، فقد أعطى القرن العشرين ومــا بعده ، إنسانه الذى ليس مـن إنسان أصح منه وأصلح لزمانه ، وأنه بإيمانه بالله وبالنبوة ، إذا ما استقام عليه , أصـلح لعصـر « الوحدة الإنسانية » , بإيمان برب واحد هو رب العالمين , وبنبوة خاتمة للرسالات والنبوات .

     فإذا كان هذا هو إنسان القرآن , بروحه وبحرفه ومعناه , فلا حاجة بالناقد المنصف إلى حظ كبير من الترفع لينظر من علٍ إلى المتعالمين المتوقرين الذين يزعمون أنهم قابلوا بين العقائد , فخرجوا بالزعم أن القرآن نسخة مكررة من كتاب هذه الديانة أو تلك !

     وقد رأينا مما خلص إليه الأستاذ العقاد ـ مدى الموافقة بين عقائد الحكماء وآيات القرآن , وكيف أفسحت آيات القرآن الحكيم للعقل الإنسانى ليسلك طريق البحث والتأمل الصادق .

     بيد أنه ليس معنى ذلك ـ فيما يقول ـ إنه واجب على المؤمن بالقرآن أن يلتمس فيه تأييدًا لأصحاب « النظريات » والفروض فى كل عصر .. وإنما حسبه أن القرآن لم يغلق أمام المؤمنين به سبل البحث والدراسة والنظر والمعرفة , ولكن ليس من الصواب إقحامه فى تأييد نظرية قد يثبت خطؤها باكر !

    ولا مراء فى أن مذهب التطور , خاصة فيما يتعلق بتحول الأنواع , يتأرجح بين النفى والإثبات , ولم يثبت بالدليل القاطع , وعجز أنصاره عن إثبات أن حيوانًا واحدًا تحول من نوع إلى نوع بفعل الانتخاب الطبيعى , أو بفعل تنازع البقاء وبقاء الأصلح .

    ومن يرجع إلى القرآن ليعلم حكمه فى التطور , وجده على العهد به يملى للعقل ولا يصده عن سبيل المعرفة أو يصادر طريقًا يُرجى منه النفاذ إلى عالم المجهول .

     إن القرآن الحكيم يعلمنا أن « صلاح الإنسان فكر وأمانة » و« أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ » ( الأنبياء 105 ) .

     وليس من موضع أكرم للإنسان وأصدق له ـ من موضعه عند أهل القرآن بين خلائق الأرض والسماء ، وبين أمثاله من أبناء آدم وحواء : موضعه أنه المخلوق المميز الذى يهتدى بالعقل فيما علم وبالإيمان فيما خفى عليه من الغيب : وموضعه بين الأسرة الإنسانية ، أن الجميع أبناء آدم وحواء ، أخوة من عشيرة واحدة ، أكرمها من اتقى الله وأحسن العمل وتجنب السوء .. لا يثاب ولا يدان إلاَّ بعمل سواه .. « تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ » ( البقرة 134 ) .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *