رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الحياة الأخرى

     تتفق الأديان الكتابية على الإيمان بحياة أخرى بعد الموت ، على بعض الاختلاف فى تمثيل تلك الحياة ، وقد اعتقد بذلك الفلاسفة من قبل الأديان وبعدها .

     ومن أشهر المؤمنين بذلك من الفلاسفة الأقدمين أفلاطون ، ومن أشهرهم فى العصر الحديث عمانويل كانت .

     وفى مذهب أفلاطون أن النفس جوهر مجرد بسيط لا يقبل التجزئة ولا الانحلال وهى قوام الحياة ، وما هو حياة محال أن يعود « لا حياة » .. والعكس ، ولكن النفس تتلبس بالمادة فى معارج الترقى والتطهير ، وتخْلُص من المادة ـ طورًا بعد طور ـ لتعود إلى عنصرها الأول من الحرية والصفاء .

     وبقاء النفس فى مذهب « كانت » مرتبط برأيه فى « القانون الأخلاقى » الذى تدين به فطرة الإنسان ، ويدل على إرادة إلهية فوق إرادة الآحاد والجماعات ، وأنه من غير المعقول أن يُغرس فى النفس قانون كهذا ، ثم يَشْقَى من يدين به ويَسْعَد من ينبذه . والحكمة التى غرست هذا القانون فى الطباع ـ خليقةٌ أن ترد الأمر إلى نصابه فى حياة بعد هذه الحياة ، بتحقيق العدل الذى قد لا يتم فى حظوظ الحياة .

     ويفصح الأستاذ العقاد عن أن مراده من هذه الإشارة إلى رأى هذين الفيلسوفين ، أن ينبه الناظرين إلى أن مسألة الحياة بعد الموت مسألة « بحث وتفكير » .

     بيد أن العقل نفسه يستلزم فارقًا لابد منه بين تمثيل الحقيقة للبحث والتفكير ، وبين تمثيل هذه الحقيقة ذاتها للتدين والاعتقاد .

     فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصور المؤمنين بها ، لأن الخطاب فيها موجه إلى ملايين متنوعين فى الصفات والمَلَكات والقدرات ، ومن ثم لا بد من توضيح الحقيقة الاعتقادية بالمحسوسات فى كثير من الأحوال ، وهو ما ينبغى أن يروض فكره عليه ـ كل من ينظر إلى عقيدة الحياة الأخرى فى القرآن الكريم ..

     فالقرآن الكريم يفرض على المؤمنين عقيدة البعث والحساب ، ويدعوهم إلى الإيمان بالنعيم والعذاب .. والجنة هى مقر النعيم ، والنار هى مقر العذاب ..

     وفى القرآن أوصاف محسوسة للجنة ، مثل ما جاء بسورة الواقعة : « فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا َيَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا
سَلاَمًا »
(الواقعة 12 ـ 26) .

     وفى القرآن أوصاف محسوسة للنار ، مثل ما وصفت به فى سورة الفرقان : « بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا » (الفرقان 11 ـ 13) .

 

     على أنه من المتفق عليه بنص القرآن والحديث النبوى الشريف ، أن هذه الموصوفات غير ما يُرى ويُعهد فى الحياة الدنيا ..

         ففى القرآن : « فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » (السجدة 17) .

         وفى الحديث الشريف عن الجنة : « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » .

     والواقع أن المسلمين يفهمون من هذه الصفات معنى النعيم ومعنى العذاب ، دون أن يخل فهمهم لأى منهما بالغرض المقصود من وعد الله ووعيده سبحانه .

*           *           *

     ووصف الحقائق بالمحسوسات ، تعبير يفهمه الخواص الذين يرتفعون بالفهم وبمطالب النفس الباقية عن الجهلاء ..

     ولكن هل هذا التعبير مفهوم عند هؤلاء الجهلاء ؟

     وأهمية هذا التساؤل ـ ما هو معروف من أن هؤلاء هم أحوج إلى الوازع ، بينما تستغرقهم المحسوسات ولا يخلصون منها إلى تجريد المعانى والشعور بحب الحقيقة وتقديس الكمال ..

     ومقتضى هذا الاختلاف فى الطبيعة والقدرة والفهم ، انه لا بد للعقيدة أن تخاطب كل العقول .. بل والجهّال قبل العارفين والعلماء ..

     ومن المغرضين من حاولوا التضليل بالزعم بأن الخطاب بالمحسوسات فى أمر الجنة والنار مقصور على العقيدة الإسلامية ..

     والحقيقة أن الأنبياء والقديسين فى كافة الأديان الكتابية ، قد تمثلوا النعيم المحسوس فى رضوان الله ، ووصفوه على هذه الصفة فى أسفار العهد القديم ، وأناجيل ورسائل العهد الجديد ، وفى كتب التراتيل والدعوات ..

     والأستاذ العقاد لا يلقى بهذه الحقيقة ويمضى ، وإنما يتوقف ليستخرج من العهد القديم والعهد الجديد ما يؤكد تمثلهما ـ وكذا القديسين والأحبار ـ بالنعيم المحسوس .

     ومجمل القول أن وصف الحياة الأخرى بالمحسوسات ، يعم المعتقدين عمومًا ولا يتأتى إغفاله فى خطاب يتجه إلى جميع المعتقدين ، ولا يبلغ فى نفوسهم مبلغ اليقين ما لم يتخلل هذا الشعور ويتغلغل فى الضمير ..

     وقد نحا هذا النحو ـ الفلاسفة الذين قالوا ببقاء النفس بعد الموت ، باعتباره ضرورة اعتقادية ، يستلزمها اختلاف النفوس وحاجة كل منها إلى التطهر والتكمل فى حياة بعد هذه الحياة .

     وهذا المعنى ملحوظ ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فى تقدير العذاب الذى يُبتلى به المذنبون بعد الموت كما قضت به شريعة القرآن الكريم ، وقد كاد المفسرون المسلمون أن يجمعوا على انتهاء عذاب الآخرة إلى الغفران ، وأن الخلود والأبد ( فى وصف العذاب ) يفيدان أن الزمان طويل ولا يفيدان البقاء بغير انتهاء ، ويستشهد الأستاذ العقاد بحديث شريف طويل ورد بهذا المعنى فى صحيح البخارى ، ثم يقفّى بأن للنبى عليه الصلاة والسلام أحاديث أخرى فى هذا المعنى ، فحواها جميعا أن العذاب تطهير وتكفير ، وأن الأنفس جميعا تتلاقى ـ بعد ذلك ـ فى حظيرة الرضوان .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *