رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

القدر فى اليهودية

     الكلام عن التقدير الإلهى قديم فى الكتب اليهودية ، وردت الإشارة إليه فيما يقول الأستاذ العقاد ـ من أول الأسفار المعتمدة إلى آخرها ، ولكن على اختلاف فى أساليب التقدير تبعًا لاختلاف الصورة التى كانوا يفرضونها للإله ، أو باختلاف نصيبه عندهم من عظمة المشيئة ، وعظمة القدرة ، وعظمة الصفات .

     وكانت الصورة الأولى للإله عندهم ـ صورة المالك المطلق الذى يريد أن يستأثر لنفسه بالمعرفة والخلود والسلطان ، ويكره من الإنسان أن يتسامى ـ أو يتطاول ـ إلى منازعته فى صفاته ، فيبتليه بالعجز والحرمان والحد من حظوظه فى النعمة والحياة .

     فالنوع الإنسانى ، وفق هذا التصور ـ رعية متمردون يخضعون للقوة ، وعلى هذه الصورة وقعت الخطايا الأولى التى جرت عليهم غضب الله وحرمتهم نعمة الخلود .

     وتصويرًا لهذا الغضب ، حين الأكل من شجرة المعرفة التى نهى الله عنها ، جاء بسفر التكوين من قول الإله : « هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد … » ( التكوين 3 : 22 )

     ومن هنا حاقت اللعنة بالإنسان لأنه أكل من الشجرة ، وبالمرأة لأنها استمعت إلى غواية الحية ، وبالحية لأنها سوّلت لهما هذا العصيان . ( التكوين 3 : 14 ـ 19 ) .

     ولم يكن الإنسان هو المتمرد الوحيد على إرادة الله ، فإن أبناء الله سكان السماء حسب تعبير التوراة ، ويراد بهم الملائكة .. نظروا إلى بنات الناس فرأوا أنهن حسنات فاتخذوا منهن نساءً ، وغضب الرب ، وبعد ذلك أيضًا دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادًا وهؤلاء حسب تعبير التوراة هم الجبابرة المشهورون ، فرأى الله ـ فيما تقول التوراة ـ أن الشر قد كثر فى الأرض ، فغضب الرب أنه من عمل الإنسان فى الأرض ،
وقال : « أمحو من وجه الأرض الإنسان الذى خلقته » .
( سفر التكوين 6 : 1ـ 8 )

   ويمكن أن يقال على هذا ، إن الخطيئة الكبرى ـ فيما يستخلص الأستاذ العقاد ـ هى طموح الإنسان إلى العلم والخلود اللذين استأثر بهما الله ( حسب التصوير التوراتى ) ، فالله على هذه الصورة مالك يكره من رعاياه أن ينفسوا عليه أسرار الحكم والبقاء ، وهو يملك التقدير والتدبير ، ولكن كما يملك الحاكم فرض الشرائع وفرض الجزاء والعقاب ، وقد يراجع نفسه فيما قضاه فيبطله ويلغيه ويندم عليه ( طبقًا للنص التوراتى ) .

   وقد جاء فى الأسفار اليهودية المتعددة كلام صريح عن تقسيم الحظوظ بين الآحاد وبين الشعوب ، ومن ذلك تمييز بنى إسرائيل على غيرهم ، وتمييز يعقوب على عيسو ، وذرية يعقوب على ذرية عيسو ، وكلاهما جنين فى بطن أمه : « وتزاحم الولدان فى
بطنها ، فقالت : « إن كان هكذا فلماذا أنا ؟ » فمضت تسأل الرب . فقال لها الرب فى
بطنك أمّتان ، ومن أحشائك يفترق شعبان : شعب يقوى على شعب ، وكبيرْ يُسْتَعْبد
لصغير »
( التكوين 25 : 22 ، 23 ) .

     ومع الزمن ، ترقى الوعاظ والأنبياء فى فهم عظمة الله ، فدعا « أشعيا » إلى عبادة الله الذى علم الأشياء منذ القدم .

     بيد أن « القدر » لم يزل عند بنى إسرائيل مشيئة حاكم يأمر وينهى ، ويرجع عمّا أمر به وقضاه ، ولم يفهموا القدر قط على أنه نظام شامل للوجود محيط بالأكوان .

     ففى سفر « أشعيا » يوصف الله بأنه جابل الإنسان ، وينهى الإنسان عن مراجعته فى قضائه ، لأنه « خزف بين أخزاف الأرض . هل يقول الطين لجابله ماذا تصنع ؟ .. أو يقول عملك ليس له يدان ؟! » .

     ولكن هذا الخزف يجبل ويعاد جبله ، ولا يستقر رأى الخزاف على حفظه أو تحطيمه ، فيحطم بعد حفظ ، ويحفظ بعد تحطيم ، كما قال « أرميا » فى سفره .

*       *       *

     ويضيف الأستاذ العقاد أنه ربما حسن عند اليهود أن يتشبثوا بفهم القدر الإلهى على هذه الصورة ، لأنهم علقوا آمالهم كلها فى الخلاص على « إله » يتحيز لهم ، ويتحول من الغضب إلى الرضا ، لإنقاذهم من سطوة أعدائهم .. فأصروا من ثم على تصوير « القدر » لأنفسهم على هذه الصورة .

     وقد أراحهم هذا الفهم من مشكلة « القضاء والقدر » عند أصحاب الديانات الأخرى ، ولهذا سهل على رجل مثل « يوسفيوس » أن يقول : « إن الأمور كلها تجرى بقدر مقدور ولكنه لا ينتزع الإنسان من حريته فى فعل ما يختار . لأن الله أيضًا شاء أن يمزج بين القدر ومشيئة الإنسان ليتاح له عمل الخير والشر كما يريد » .

     وهذا بطبيعة الحال فحوى العقيدة الإسرائيلية من بدايتها الأولى ، وهو غير المعنى الذى تصوره « فيلون » الفيلسوف الإسرائيلى الذى نشأ فى الإسكندرية ، واقتبس عقيدته من الفلسفة وأسرار الديانة المصرية ، فإنه يعترف بالشر فى الوجود ، ولكنه يرجع به إلى امتزاج الروح بالمادة ومغالبة الحرية بضرورة « الهيولى » الجسدية .. فهو ينقل المسألة من صورة الحاكم والمحكوم إلى صورة المبدأين المختلفين ، اللذين يقومان على اختلاف العقل والهيولى . ومهما يكن من تشابه بين الرأيين فى النتيجة الظاهرة ، فإن المصدر الذى يصدران عنه ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ على أبعد ما يكون المصدران المتعارضان !

( يتبع )    

  

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *