رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الاستطراد فى آراء الفلاسفة فى مسألة القدر

إلى العصر الحديث

     ارتأى الأستاذ العقاد أن يستطرد بعد كل ما عرضه ، إلى تلخيص آراء الفلاسفة فى القدر ـ من العصور الماضية ، إلى العصر الحديث ، قبل الانتقال إلى مذاهب الأديان ومذاهب العلماء الذين عرضوا لهذه المسألة من جانب العلوم الطبيعية كما عرفت فى القرن العشرين .

     وهو يفصح أنه سيتخطى هنا الفلاسفة الدينيين لأنه سوف يعود إليهم بعد الكلام على مذاهب الأديان ، وأنه سيبدأ بالفلاسفة الذين عرضوا للمسألة من جانب البحث الفلسفى بمعزل عن المذاهب الدينية .

   لا يخفى على القارئ أن الأستاذ العقاد يريد بهذا التوسع ـ أن يجلى كمال الفلسفة القرآنية فى هذه المسألة ، فيما جلته من حقيقة يبدو كمالها لمن ينظر كيف كان النظر قبلها وفى غيرها..

     ويبدأ الأستاذ العقاد جولته فى آراء فلاسفة العصر الحديث المبداة بمعزل عن الدين ، بالفيلسوف الإنجليزى « توماس هوب » .. وهو يرى أن الإنسان يعمل ما يريد ، ولكنه لا يريد ما يريد .. بل يريد ما فرضته عليه الوراثة ، وطبيعة البيئة ، وعادات المكان والزمان ..

     ويرى الفيلسوف الفرنسى « ديكارت » أن الجسد محكوم بقوانين الطبيعة كسائر الأجسام المادية ، ولكن الروح طليقة منها ، وعليها أن تجاهد الجسد ، وتلتمس العون من الله بالمعرفة والقداسة فى هذا الجهاد .

     ومن تلاميذه من يقول : إن الإنسان حر فى أفعاله ، ولكن الله يعلم منذ الأزل ما سوف يفعله ، لأنه عليم خبير ..

     ويرى الفيلسوف « سبينوزا » أن كل شىء يقع فى الدنيا إنما كان لابد أن يقع كما وقع ، لأن كل شىء يصدر عن طبيعة « الجوهر السرمدى » .. وهو الله . وأن ما فى الدنيا من خير وشر هو على السواء من إرادة الله . وأن ما يبدو لنا شرًّا سببه أننا محدودون ..ننقص من ناحية ، ونتلقى الشر من حيث ننقص . أما الجوهر السرمدى فلا يعرض له النقص ولا تتصل به الأشياء إلاَّ على وجه الكمال .

     ومذهب « ليبنتز » يطابق فى نظر العقاد ـ مذهبه المعروف فى الوحدات ، فكل موجود فى الكون « وحدة » مستقلة لا تتأثر بوحدة أخرى ، ولكنها تتفق فى الحركة كما تتفق الساعات فى إشاراتها إلى الوقت دون أن تتأثر أى ساعة منها بغيرها . وأن كل وحدة من هذه الوحدات محتوية على ذاتها ، محاكية فى وجودها للوجود الأعلى : وهو الله .. ولكنها تتفاوت فى الكمال على حسب التفاوت فى المحاكاة .

     والفيلسوف الألمانى الكبير « عمانويل كانت » الذى مرَّ بنا تقدير العقاد الكبير له ، يقرر ضرورة الأسباب فى عالم التجارب المحسوسة ، ولكنه يرى أن هناك عالمًا أعلى من العالم المحسوس .. هو عالم الحقائق الأدبية .. وحرية الإرادة حقيقة من هذه الحقائق عنده ، فإن لم نجد لها برهانًا من ترابط الأسباب فى التجارب الحسية ، فإنه يكفى أن نعلم أن الإيمان بحرية الإرادة لازم لتقرير الأخلاق البشرية والتكاليف الأدبية .

     أما مذهب « هيجل » فيتلخص كله فى الفلسفة التاريخية التى تقرر « أن تاريخ العالم بأجمعه إنما هو ترويض الإرادة الطبيعية الجامحة حتى تخضع من ثم لقاعدةٍ كونية عامة تتولد منها الحرية الذاتية » .

     ويقوم مذهب « شوبنهور » على الإرادة والفكرة ، ولكن الإرادة عنده هى مصدر الشر كله فى الكون وفى الإنسان ، والإرادة فى الكون توحى إلى إرادة الإنسان أن يستأثر لنفسه بالمتعة ويعانى ما يعانيه من الطلب والكفاح ، وأنه يظل أسيرًا لهذه الإرادة التى تعزله عما حوله ـ حتى يخلص إلى عالم الفكرة فينجو من عالم الفكـرة وينتقل إلى عالم السكينة و« العموم » الذى
لا تنازع فيه بين أجزاء وأجزاء ، ولا بين إرادة وإرادة .

العلوم الطبيعية

   ولا يزال فلاسفة العصر يخوضون ـ فيما يرى العقاد ـ مباحث هذا الموضوع على تفاوت كبير فيما بينهم ـ بين القول بالجبر ، والقول بالحرية الإنسانية أو الاختيار . ولكن الفلسفة لا تستأثر وحدها بهذه المباحث فى القرون الأخيرة ، حيث أدخلتها العلوم الطبيعية فى نطاقها ، ولا سيما علم النفس الذى يعتمد على تجارب تلك العلوم .

       وكان أول مدخل للعلوم الطبيعية من جانب علم الفلك أو جانب الرياضة على الإجمال ، بعد القول بدوران الأرض حول الشمس واعتبارها سيارًا من السيارات الشمسية يجرى عليها ما يجرى على غيرها من الأفلاك . وأخذ العلماء يقررون منذ القرن السادس عشر أن « القانون الآلى » هو ملاك النظام فى هذا الوجود ، وهو قانون عام شامل ولا محل فيه لتصرف الأقدار ، ولكنه لا يبطل القول بالعناية الإلهية أو بالتقدير الإلهى .

     ولما ظهر علم النفس على النهج الحديث ـ لم يحسم الخلاف بين الجبر والحرية الإنسانية .. وتتفاوت آراء علمائه بين القائلين بالمادة وحدها الذين عدّدوا أن كل أعمال الإنسان آلية يمكن تفسيرها بالتفاعل بين وظائف البدن وأخلاطه ، وبين القائلين بالعقل الذين أنكروا إمكان تفسير الظواهر الفعلية كلها بالحركات الآلية أو بحرية الإرادة الإنسانية .

     وحلت الحتمية الحديثةDetermination محل الجبرية القديمةFatalism فى اصطلاح العلماء . ومن ثم أصبح القول بالحتمية الحديثة مناقضًا للقول بالجبرية فى أقوال علماء الأديان ، لأن الجبرية تحصر الإرادة كلها فى الإله المعبود ، أما الحتمية فهى على الأقل لا تستلزم وجود إله إلى جانب القوانين التى يفسرون بها إرادة الكون .

       وقد تعاقبت الكشوف فى ميادين العلوم الطبيعية ، ولكل منها قانون يزعم أنه الأصلح ،ثم تقدمت الكشوف الذرية فى أوائل القرن العشرين ، وإذا بكشف منها يضرب الحتمية ضربةً قاصمة ، ويفتح الباب واسعًا للقول بالحرية والاختيار .. وذلك هو الكشف الذى جاء به « نيلز بوهر » العالم الدنمركى الذى حصل على جائزة نوبل للعلوم عام 1922 .

     وجاء بعد « بوهر» ـ « أوجست هيزنبرج » الذى سمى مذهبه باللاحتمية ، وبلغ من وثوق بعض العلماء بصحة هذه التجارب أن عالمًا كبيرا ـ فيما يقول العقاد ـ كالسير « آرثر إدنجتون » ، أعلن أن الأمر فى هذه التجارب قلما يحتمل الخلاف ، مقررًا أنه لا يعتقد بوجود انقسام ذى بال فى رأى القائلين بهبوط مذهب الحتمية . وقد ترجمت للقارئ العربى بحثه عن « الواقع أو الحقيقة » من كتابه « طبيعة العالم المادى » ـ كتاب الهلال ـ العدد 720 ـ ديسمبر 2010 .

     ويرى الأستاذ العقاد أن الحتمية العلمية لا تثبت لقوانين المادة أنها تنفرد بتفسير كل أسرار الطبيعة ، وكل حركة من حركات الأجسام .

     وهنا يدع الأستاذ العقاد العلم والفلسفة فى موقفهما الأخير من مسألة القدر ـ لينتقل إلى إجمال هذه المسألة كما عرضت فى الأديان الكتابية بترتيب نزولها : اليهودية أو الموسوية والمسيحية والإسلام .

( يتبع )

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *