رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

      وأول ما نشر هذا المقال ، كان بمجلة الأزهر عدد سبتمبر 1960 ، ثم أعيد نشرة فى مجموعة « الإسلام الحضارة الإنسانية » ـ بيروت 1973 ( دليل المدينة بالمجلد / 1 ) .

     محمد رسول الله وخاتم النبيين

     هذا هو المدخل الذى بدأ به الأستاذ العقاد ، فهذه عقيدة يصدقها المسلم تصديقه بعقائد الدين ، ولكنه يفهمها كذلك ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ فهم المرء للحقائق العلمية والقضايا المنطقية ، لأنه إذا فهم النبوة بصفاتها المقررة فى الإسلام ـ علم أنها نبوة تُختم بها النبوات ، وتفتح بها فى التاريخ الإنسانى رسالة الرشد والضمير والإلهام .

     هذه الخاتمية خاصية اقتصرت على النبوة المحمدية ، لا بحكم الاستئثار أو الانحياز لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما هى خاصية اقتضاها تاريخ الأمم جميعًا ، تعم كل مؤمن بالدين وكل مؤمن بالدعوة ، ولا تخص صاحب الدعوة .

     وهذا الذى يفهمه المسلم بغير مشقة ، قد لا يحصله أو قد يسىء فهمه ـ على وضوحه للمسلمين ـ من لا ينتمى للإسلام أو منكرو الأديان ، وقد يزعم أن الصفة من باب الأثرة لصاحب الدعوة ليغلق بها أبواب النبوة على سواه .

     ولعلّ أول ما يرد به على هذا الظن الملبوس ، أنه رغم مضى أربعة عشر قرنًا على مبعث النبى عليه الصلاة والسلام ، لم يظهر نبى أو من يدعى النبوة بجدية أو بأسس مقبولة ، ولا مجال من ثم لرد صفة الخاتمية بأنها من باب الأثرة أو الاستئثار .

     ولكن يبقى هل كان قبل محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ من خُتمت به النبوات ؟ لا يستقيم ذلك ـ إلاّ بإنكار نبوة محمد عليه السلام من الأساس !

   والواقع أن المتدينين الذين يستغربون ختام النبوة ، إنما يستغربون فى الواقع أمرًا ينساق إليه المصدقون بالنبوات ، سواء فطنوا إليه عن فهم وروية ، أو أخذوه مأخذ العادة التى لا تحتاج إلى تعليل .

     ذلك أنه آمن بختام النبوة كل من آمنوا بنبوات التوراة أو العهد القديم ، فيما اعتقدوه ويعتقدونه حتى اليوم ، من إنكار لنبوة السيد المسيح عليه السلام ، ولنبوة محمد الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام .

     ومؤدى ذلك أنهم لا ينكرون « الخاتمية » من حيث المبدأ ، ولا يجادلون فيها ، وإنما يحسبونها لمن اعتقدوا بنبوتهم وأنكروا النبوات الصادقة التى جاءت من بعدهم !

*         *         *

     وإيمان المسلم بخاتم النبيين ليس على هذا النحو من الغرابة سواء فى التصديق أو فى التفكير . لأن عقيدة المسلم لم تنكر ولا تحتاج إلى إنكار نبوة الأنبياء والرسل قبل البعثة المحمدية ، بل هى تدعو المسلم إلى الإيمان برسالات كافة الرسل والأنبياء ، وتعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الإسلام ، وذلك واضح بجلاء فى الآية 13 من سورة الشورى ، والآيات 135 ، 136 ، 285 من سورة البقرة ، والآية 84 من سورة آل عمران .

     ولأن النبوة التى ختمت النبوات فى عقيدة المسلم ـ هى الدعوة التى تدوم مدى الزمن ، لأنها تكل العقيدة إلى العقل وتقيم العقيدة على الإيمان برب واحد هو رب العالمين ، وليس رب أقوام أو زمان !

     وقد كانت الأمم قبل البعثة المحمدية تفهم أن النبوة استطلاع للغيب وكشف للأسرار والمخبآت ، ويستخبرونها عن طوالع الخير والشر ومقادير السعود والنحوس .

     وكان من هذه الأمم من يحسب النبوة لقومهم دون سواهم ، ويطلقون على الرب أنه رب إسرائيل !

     وكان من تلك الأمم من يحسب أن النبوة « وساطة » بين المعبود وعباده للتشفع وتسليم القرابين .

     فجاءت نبوة الإسلام بجديد باق غير مسبوق ، فالله تعالى هو رب العالمين لا رب أقوام ، والدين للناس كافة ، وخطابه إلى الناس أجمعين بغير تمييز ، وقواعده محكمة ميزت بين الأصول والثوابت وبين المتغيرات ، ووضعت الأسس التى تستبين بها الرؤية لأوامر الله ونواهيه ، ولم تعد هناك حاجة بعد هذا الدين إلى جديد ، ولا مكان فيه للتغيير أو للجديد ، لأن الإسلام يخاطب فى الإنسان صفته الباقية وخاصته الملازمة ، وهى خاصة النفس الناطقة بين الأحياء ، وخاصة الضمير المسئول الذى يحمل تبعته ولا تغنيه عنها شفاعة ولا كفارة من سواه .

     إنها نبوة فهم وهداية ، وليست نبوة استطلاع وتنجيم . نبوة مبشرة منذرة لا تملك للإنسان نفعا ولا ضرًا ولا تعمل له عملا غير ما يعمله لنفسه بمشيئته إذا اهتدى بهداية العقل المتدبر والضمير السليم ..

   لا إغراء فى هذه النبوة ولا مساومة ، ولا وعود ولا تزيين : « قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (188 الأعراف)

   وإنه لخليق بذوى العقل ، وأولى الألباب ، أن يصدقوا هذا النبى حين يقول لهم إن المعجزة لا تنفع من لا ينتفع بعقله وضميره .

       فإذا جاء النبى بهذه الرسالة التى تكل الإنسان إلى « خاصة إنسانية » لا تفارقه ، وتعطيه البينة من شهوده فيما يراه حول ولا يغيب عن حسه وفكره ، فأين تنتهى هذه الرسالة أو تحتاج من بعدها لرسالة ؟ وماذا تعمل رسالة تأتى بعدها ؟ إنه ليس أمامها إلاّ أن تنسخ العقل وتعود بالناس إلى القرون الأولى ، وليس هذا من عمل النبوات .

*       *       *

   لقد تقدمت الإسلام أكثر من دعوة من أكبر الدعوات شأنًا فى تاريخ العقيدة ، ولكن كلاًّ منها كان يحتاج إلى خطوة بعدها لم يئن الأوان بعد لتقريرها .. فلم تكن قد اكتملت قبل الإسلام فى أذهان الناس فكرة الإنسانية العامة ، وفكرة الإنسان المسئول المحاسب بعمله وفقًا لأمانة العقل والضمير .

     فنبوات بنى إسرائيل مقصورة عليهم ، تنعزل بحاضرها ووعود مستقبلها عن سائر الأمم ، ولا شك أن عيسى عليه السلام قد نقل الرسالة نقلة واسعة حين أدخل أبناء إبراهيم بالروح ـ فى عداد أبنائه بالجسد ، ولكنه عليه السلام قد أدى رسالته وبقى الإنسان بعده محتاجًا أشد الحاجة إلى رسالة تخلّصه من الاعتماد على غيره فى النجاة من أوزاره والتكفير عن سيئاته والنهوض بتبعات صلاحه وتربية روحه .

     ولن تفرغ أمانة النبوة فى تاريخ الإنسانية ، قبل أن توجد للإنسانية فكرة عامة فى نفوس أبنائها ، ولن تختتم النبوات قبل أن يوجد الإنسان الذى يخاطَب بخطاب العقل ويحاسَب بحسابه ويحمل على عاتقه تبعاته ، ويشترك على سواء بينه وبين إخوته من البشر ـ فى عبادة إله واحد هو رب العالمين أجمعين .

     وبنبوة الإسلام ، يصح فى حكم العقل ـ لا الاستئثار ـ أن تختتم بها النبوة لأنها حاضرة فى كل وقت يحضره الإنسان العاقل المسئول وتحضره آيات الله لقوم يعقلون : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » ( البقرة 164 ) .

*           *           *

     إن ختام النبوة ـ بعد الدعوة المحمدية ، قد صح فى حكم العقل ، وصح أيضا فيما يقول العقاد ـ بحكم الواقع والتاريخ .

     وليس يفوت المتأمل أنه وقد تعاقبت نبوات قبل نبوة محمد صلوات الله وسلامه عليه ـ فإنه لم تظهر بعده نبوة واحدة مسموعة ، ولم يظهر غير أدعياء ماتت ادعاءاتهم قبل أن يموتوا !

     إن اختتام محمد عليه الصلاة والسلام للنبوات عقيدة يصدقها المسلم بوحى إيمانه ، ولكنها كذلك حقيقية علمية يفهمها بفكره ، ويشهد دلائلها فى العصور الغابرة كما يشهدها فى عصره مهتديا مؤتمرا بأوامر دينه .

     ويطيب للكثيرين من أبناء العصر الحاضر أن يهتفوا بأنهم فى عصر العلم ، وعصر العقل ، وعصر الحقائق الواقعة ، وآيات الطبيعة ، إلاَّ أنهم وأيًّا ما كان هتافهم ضد النبوات ، فإنه لا سبيل لهم للنيل من النبوة المحمدية ، التى ختمت جميع النبوات ، لأنها التى قالت للناس قبل أربعة عشر قرنًا ما يقولونه الآن ، وهى التى أوحت إليهم أنهم يعيشون بهداية بصائرهم ، وما يبصرونه من آيات تلك الهداية فى مشاهد الطبيعة ، وأسرار الخلق ، وبراهين العيان ، وتؤكد لهم أن كل أعجوبة من أعاجيب العلم هى جزء من معجزات هذا الدين ، الذى جاء به خاتم النبيين : « وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ » ( الصافات 179 ) .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *