رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     أورد الأستاذ العقاد تعقيبًا على منحى « فولتير » فى المسرحية التى كتبها باسم « محمد » ، أنه كان يوارى ويوارب ليتخذ مما كتبه ستارًا للإسقاط على رجال الدين فى عصره ، تحاشيًا لمهاجمتهم صراحة ، وأنه بهذا الأسلوب المنحرف نسب إلى النبى عليه السلام أمورًا كان يريد أن ينسبها إلى الجامدين من رجال الدين ، وأن هذا القصد لم ينطل على العارفين ، فلاموا عليه هذا الأسلوب المنحرف ، وكان من هؤلاء اللائمين نابليون الكبير فى حديثه مع الشاعر الألمانى « جيتى » أو« جوته » ، وأنكر نابليون فى حديثه هذه الصورة الشوهاء التى لا تصدق على « محمد » .

     وعندى أن استخلاص الأستاذ توفيق الحكيم أكثر صوابًا ودقة ، فقد أتيح له أن يطلع ـ وهو يجيد الفرنسية ـ على الخطاب الذى أهدى به « فولتير » هذه المسرحية إلى بابا الفاتيكان ، فما حمله هذا الخطاب من رياء وتزلف ينقض فكرة أن يكون كل غرض « فولتير » من هذه الإساءات لرسول الإسلام ـ أن يسقط ما فيها على رجال الدين الجامدين فى عصره ، ومن ثم لا يحسر عن « فولتير » أنه أراد قصدًا أن يسىء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإن كان يحسب له أنه عدل عن موقفه بعد ست أو سبع سنوات حينما أُتيح له أن يطلع على ترجمة القرآن الكريم صححت المفاهيم المغلوطة التى تسربت إليه عن الإسلام .

تغير الحالة النفسية للغرب مع إقبال القرن التاسع عشر

     لاحظ الأستاذ العقاد هنا أنه مع انصرام القرن الثامن عشر الذى عاش فيه فولتير ، وإقبال القرن التاسع عشر ، لم تعد الحالة النفسية والفكرية فى الغرب كما كانت ، وبدا أن من يتكلم عن « محمد » صار يتكلم عن علم لم يكن ميسورًا للغربيين قبل ذلك ، إذ كان العارفون باللغة العربية وباللغات الشرقية قليلين ، وكان المنقول المتاح عن الإسلام قليلاً ، ومع القرن التاسع عشر كثرت هذه الكتب ، ووصل العلم بها إلى المستشرقين ، وساهم فى ذلك ما ذكرته « كارين أرمسترونج » وأسلفته من أثر ترجمة القرآن الكريم على إتاحة الفرصة فى المعرفة الموضوعية بالإسلام ، بعد الشائعات الكاذبة التى كانت قد ملأت الغرب فى القرون السابقة عن نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام .

توماس كارليل

     ويختار الأستاذ العقاد « توماس كارليل » كنموذج للكتابة الصادقة فى القرن التاسع عشر عن الرسول عليه السلام ، وقد اتسمت كتابته عنه بالإعجاب والإنصاف اللذين لا يُنتظر خيرٌ منهما من فيلسوف غير مسلم ، ويحسب لكارليل أنه لم يجد أحدًا أحق بالاختيار لتجسيد البطولة فى صورة نبى ـ من محمد عليه السلام ، وجعل من همّه أن يفنّد كل شبهة شائعة عن الإسلام ، وهدم فرية أن الإسلام انتشر بحد السيف ، بأنه ما كان من الممكن أن تنجح دعوة رجل واحد أمام قوم مجمعين على تكذيبه ، وأكثر من ذلك عجبًا الظن بأن يحمل السيف رجلٌ واحد ليقنع به كل منكريه !

أثر تقدم دراسة التاريخ

     يبدى الأستاذ العقاد أن دراسة التاريخ تقدمت فى القرن العشرين ، وتتبع الأوربيون أصول حضارتهم ، فعرفوا أنها مدينة بالقسط الوافر للحضارة الإسلامية ، وأن عصر العرب فى الأندلس كان من العصور الذهبية فى تاريخ القارة الأوروبية ، وأحدث رد الفعل عمله فكان أشد الناس إعجابًا بالحضارة العربية أولئك الكُتّّاب الذين نشأوا فى الأندلس نفسها ، وفتحوا عيونهم حيث بلغ التعصب ضد العرب غاية مداه .

     ومع ذلك فإن القارئ لكاتبهم الأشهر « بلاسكو أبانيز » ـ يلمس فى كلامه حزنًا عميقًا على زوال الحضارة العربية من الأندلس ، وحنينًا واضحًا إلى العهد الذى ازدهرت فيه .

     وكان لهذه النظرة إلى تاريخ الحضارة ، والمقارنة بين الحضارات ـ أثرها فى تعديل الميزان الذى يوزَن به رسل الأديان وأولهم رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام .

     وصار على من يكتب عن الرسول عليه السلام ، ألاَّ يقول إلاَّ ما يوافق العلم ويبرأ من الجهالة والتعصب ، ومن ثم صارت الأمور توزَن بموازين تختلف عما كان ، وتحاول الإنصاف ما استطاعت .

برناردشو

     بل ووُجد بين الكتاب من يُثيره سماع تعييب النبى عليه السلام وإن كان العائب من أبناء القرون الوسطى ، فترى فى إحدى روايات « برناردشو » ـ رجلاً يعيب على النبى أنه « راعى إبل » ، فيجيبه صاحبه بأن أتباع ذلك النبى قد تعلموا درسًا لم يتعلمه من دين هذا العائب ، ويقول له إن المسلمين يسمون تلاميذ السيد المسيح بالحواريين ، وكان فى وسعهم أن يقولوا عنهم إنهم جماعة من الصيادين !

     ويقفى الأستاذ العقاد بأنه إذا قيل إن المرتزقة بالدين هم وحدهم الذين يصرون على بضاعة العيب والتجريح ، فإنه ليس معنى ذلك أن رجال الدين الأوروبيين جميعًا ينكرون فضل النبى محمد ويستبيحون العيب فيه ، وإنما معناه أن هذا الخُلق الشائن محصور فى طلاب الرزق باسم الدين … أما العلماء الدينيون فمنهم من يحاسبون أنفسهم وألسنتهم وأقلامهم ويجتهدون فى قول الحق على حسب طاقتهم .

كتاب « بوكيه »

     وهنا يستشهد الأستاذ العقاد بكتاب الدكتور « بوكيه Bouquet» عن الأديان المقارنة ، وفيه قال عن الإسلام : « إنه نشر فى الشرق مثلاً أعلى للحكم وللأخلاق الإنسانية أوسع وأنظف وأحدث وأقوى من أمثلة الدولة البيزنطية » ، ثم قال عن رسول الإسلام : « وإن الحكم على شخص أيضاً يتطلب الإنصاف من أولئك الذين ينظرون بعين الغرض ، فإن الأخبار التى لا مدعاة للشك فيها تصوره لنا فى صورة رائعة الجمال ، بوجه مليح فطن ، وعينين نفاذتين ولحية سابغة ، ورصانة فى القول وبلاغة ناطقة ، مع عطف فى أطيب حالاته ، وحنان على الأطفال » .

( يتبع )    

  

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *