رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     نشر هذا المقال بمجلة السياسة فى 15/4/1946 , وأعيد نشره ضمن كتاب « الإسلام والحضارة الإنسانية » ( بيروت 1973 ـ تحت رقم 96 بدليل مدينة العقاد ـ بالمجلد / 1 ) ـ واستهله الأستاذ العقاد بأنه حين ألف الدكتور هيكل باشا كتابه « حياة محمد » , وألف هو كتابه « عبقرية محمد » ( 1940 ) , لم يقع هذا التأليف موقع الاستحسان عند فريق ممن وصفهم بأنه أدعياء الأدب والثقافة , بقالة إن موضوع « محمد » قديم كما زعموا , ولا يجوز أن ينشغل أو يحفل به أبناء العصر الحاضر .

   وواقع الأمر أن هؤلاء ينكرون هذه الكتابة ـ فيما يقول ـ لأنهم يضيقون بكل ناحية روحية فى تاريخ الإنسان , ويعتبرونها عقبة دائمة تعترض سبيلهم فيما يندفعون إليه بوحى من المحتجبين وراءهم من دعاة المذاهب المادية , وهو ظن ظل عليه الأستاذ العقاد , وتردد فى كثير من كتاباته .

   ورده على اعتراض هؤلاء المعترضين , أن الجانب الروحى معلم من معالم الإنسانية , وأن العظمة الروحية تتجلى فى الكتابة عن الهداة وأبطال الإصلاح والإرشاد , وهى موضوع خالد لا تنقضى جدته ولا الحاجة إليه فى زمن من الأزمان .

     وخير مصداق على ذلك الكتاب الجديد الصادر عن الرسول « The Messenger » , والذى اختاره موضوعًا لهذا المقال , وهو كتاب طُبع سنة 1946 فى مدينة نيويورك , قبل شهرين من كتابة هذا المقال , ألفه الكولونيل « بودلى » صاحب كتاب الريح فى الصحراء , وكتاب « الصحارى المرحة » وغيرهما من الكتب التى أصدرها فى الموضوعات الشرقية .

   ويرى الأستاذ العقاد أن صدور هذا الكتاب الذى طبعته المطابع الأمريكية , يكفى فى حد ذاته كرد عملى على هؤلاء المعترضين على التأليف عن « محمد »الذين يحصرون النفس الآدمية فى أضيق الحدود .

     بيد أن الكتاب يستحق التنويه لغير هذا السبب , ولأسباب كثيرة .إذ هو كتاب طريف التأليف , طريف المصادر , طريف البواعث إلى العناية والتأهب له .

   فمؤلفه الكولونيل « بودلى » ـ رجل وافر الحظ من معارف الحضارة الأوروبية والحياتين السياسة والعسكرية , تعلم فى ايتون وساند هيرست (وهى كلية عسكرية بريطانية مشهورة ) , وعمل فى الهند , واشترك فى الحرب العالمية الأولى , وساهم فى مؤتمرات فرساى , واطلع على الخفايا الدولية من وراء الحجب , فثقلت على ضميره مساوئ السياسة وأوضارها , ولزمته الكآبة من ذلك , فأشار عليه صديقه « لورنس » المعروف فى البادية العربية , بأن يعتزل أوروبا ويأوى إلى بلاد يعيش فيها على الفطرة على أطراف الصحراء فى بلاد العرب .

   وقد كان هذا الكتاب من بعض ثمرات معيشة الكولونيل زهاء سبع سنوات أمضاها فى الصحراء العربية .

   ومن طرافة مصادر هذا الكتاب : « الرسول ـ The Messenger » , أن المؤلف لم يعول فيه على المراجع المكتوبة , بل على المراجع الشفوية التى تتبعها بنفسه حيث عاشها الرسول عليه السلام , وجعل يتفهمها من وحى المكان ومن النفاذ إلى بداهة العروبة فى مواطنها الأولى , غير متوسع فى الإطلاع ولا متعرض لمواطن الجدل والخلاف , واكتفى من الكتب بالقرآن الكريم وبما تيسر له من بعض المصنفات بعد الفراغ من تكوين رأيه وتصوير شعوره , مؤثرًا الإحساس بحياة الرسول على الانصراف إلى أقوال القائلين عنه من المسلمين وغير المسلمين .

   وبداهة لا يُنْتظر من مؤلف الكتاب أن يؤمن بالإسلام كما يؤمن به المسلمون , لأنه وكما يبدو من كلامه ينظر إلى الأديان جميعًا نظرة المستقل عن الشعائر والمراسم التى هى مثار خلاف بين دين ودين . ولكنه كان حسن النية والقصد ـ فى تقديره فضائل الرسول ـ عليه السلام , والرد على ناقديه من منكرى الإسلام الدين الذى جاء به , أو من منكرى جميع الأديان .

   ويقول للذين يطالعون القرآن مترجمًا إلى اللغات الأوروبية ويتعجبون من إعجاب المسلمين به , إن القرأن كتاب وحى لم يوضع للمطالعة وتزجية الفراغ , وإنما للتبشير والإيحاء والتذكير , ولن يتذوقه المطالع المتصفح كما يتذوقه السامع المصيخ إليه بظاهر حسه وباطن نفسه , لأنه يتطلب الإيمان ويتحدث إلى المؤمنين .

     هذا إلى أن ما اطلع عليه الغربيون ـ فيما نرى ـ لم يكن نص القرآن , وإنما ترجمة لمعانيه , ومن لم يقرأ القرآن بلغته العربية ـ لم يقرأه , وإنما قرأ ترجمة معانيه , وهذا هو أقصى ما تصبو إليه أى ترجمة إلى لغة غير العربية , فلا توجد ترجمة بأى لغة , قادرة على نقل القرآن إليها , وقد قلت فى كتابى : « الأديان والزمن والناس » ـ كتاب الهلال 669 ـ سبتمبر 2006 , إنه لا توجد لغة قادرة على أن تنقل بيتًا من الشعر حاملاً ما حمله فى لغته الأصلية من جرس ووزن وموسيقى وإيقاع وروح ودلالات , فكيف يالقرآن الكريم الذى من معجزاته بلاغته التى أعيت محاكاتها أبلغ بلغاء العربية , فكيف يستطيع أبناء اللغات الأخرى أن يحاكوها فى لغاتهم ناهيك بأن يحملوها بما تحمله من بلاغة وإعجـاز إلهى فى العربية . القرآن المجيد قرآن عربى ، من المحال أن يوازيه صياغة مهما ارتقت فى أى لغة أخـرى . إعجاز القـرآن بالعربية ، جعل القـرآن عربيا ، لأنه لفظ ومعنى :« إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعقلون » ـ بيد أن الإسـلام قـد آمن به العربى وغير العربى ، ولا غناء لمن آمن عن الإلمام بكتاب الإسلام المقدس ، لذلك كانت « ترجمة معانيه » ـ هى البديل المتاح إزاء استحالة أن يكون « القرآن » بلسان
غير عربى .. وأى ترجمة بأى لغة مـن لغات الأرض تستطيع أن تعبر عن آية القـرآن المجيد : « الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى »؟! ـ أو آية : « وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ » ؟! ـ أو آية : « وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . ؟! ( الأديان والزمن والناس ـ ص 59 / 60 ) .

     وعلى ذلك فإن من قرأوا ترجمات معانى القرآن , لم تصلهم هذه الشحنة الروحية ومعمارها الذى لا يتذوقه ـ ناهيك بالإعجاب به ـ إلاَّ قارئ العربية الذى يقرأ النص ذاته ـ ترجمة معانيه ـ بحسه اللغوى فضلاً عن حسه الإيمانى .

*         *         *

   ويقول الأستاذ العقاد إن المؤلف أشار إلى وصف الجنة « كما جاء فى القرآن الكريم , فقال إن القديسين المسيحيين قد وصفوا نعيم السماء بمثل هذا الوصف فى القرن الرابع بعد المسيح ، فقال القديس افرايم فى أناشيده «اننى قد نظرت إلى منازل الصالحين فى النعيم فرأيتهم مضمخين بالعطر الزكى تتأرج منهم الطيوب وتنعقد عليهم أكاليل الرياحين والثمرات .. فمن عف عن معاقرة الخمر على الأرض تشوفت إليه الخمر من كروم السماء ، ومن عصم نفسه عن الشهوات تلقته الحسان فى أحضانها الطهور لأنه ترهب ولم يمرغ نفسه بأحضان المحبة الأرضية » .

   وأشار المؤلف إلى وصف جهنم كما جاء فى القرآن فقال : « إنها لا تشبه اللعنة الأبدية التى أعدت للكافرين فى رأى اليهود والمسيحيين لأنها لا تيئس النازلين بها من الغفران واستحقاق الجنة بعد التكفير عن خطاياهم بالعذاب » .

   ويضيف الأستاذ العقاد أن المؤلف نظر بهذه النية الحسنة فى حياة النبى عليه السلام وفى دعوته , وفى المقابلة بين العقيدة الإسلامية وغيرها من العقائد الكتابية . فلم يكتب كما يكتب المسلم المؤمن بالدعوة المحمدية , ولا كتب كما يكتب المنكر المتحامل الذى يتعصب لدينه ويتعمد القدح والإجحاف ».

   ويعلق الأستاذ العقاد بأنه إذ جاز أن نرتب المؤلف الواحد فى درجات متتاليات , فإن صاحب كتاب « الرسول ـ The Messenger » , كان شاعرًا فسائحًا فمؤرخًا فناظرًا فى الأديان بنظرة المتصوف الحديث , فغلب الشعر فى كتابته على التاريخ , وغلب التاريخ الشعرى فيه على التمحيص والاعتقاد .

     وقد جاء كتاب « برودلى » بعد هذا كله فى أوانه ليقنع بعض الشرقيين ـ على الأقل ـ بأن « تاريخ محمد » شئ خالد يشتغل به أصحاب الشواغل فى وقت يمتلئ فيه الحاضر بما ينسى كل قديم ، لو كان نسيان كل قديم مما يليق بكرامة الآدميين .      

     كما جاءت هذه الوجبة العقادية آية على صدق وفاء الأستاذ العقاد بواجباته كمفكر كبير وأحد أضلاع التنوير , واهتمامه بملاحقة كل جديد يراه جديرًا بأنه ينقله إلى القراء العرب ـ وقد فعل , بهذا الكتاب وبغيره من الكتابات والمؤلفات التى تصادفنا فى جنبات مدينته .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *