رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الرجل

   يورد الأستاذ العقاد أن « خلاصة المحفوظ من الروايات المتواترة أن النبى r كان مثلا نادرًا لجمال الرجولة العربية ، كان كشأنه فى جميع شمائله مستوفيا للصفة من جميع نواحيها .. فقد يكون الرجل وسيما ولكنه غير محبوب ، أو غير مهيب ، أو يحبه الناس ويهابونه وهو لا يحب الناس ولا يعطف عليهم ولا يبادلهم الولاء والوفاء ، أما محمد r فقد استوفى شمائل الوسامة والمحبة والعطف على الناس فكان على ما يختاره واصفوه ومحبوه ، وكان نعم المسمى بالمختار .

     وصفوه فقالوا :

       « إذا نظر إليه الناظر رأى رجلا أزهر اللون ، عظيم الهامة ، مفاض الجبين ، سبط الشعر ، أزج الحاجبين بينهما عرق يدره الغضب ، أدعج العينين فى كحل ، أقنى الأنف يحسبه من لم يتأمله أشم العرنين , (عظم الأنف) أسيل الخد ، ضليع الفم غزير اللحية ، جميل الجيد (العنق) ، عريض الصدر ، واسع ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس (عظام المفاصل) ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شثن (غليظ) الكفين والقدمين ، لا بالطويل ولا بالقصير ، معتدل الخلق متماسكا لا بالبدين ولا بالنحيل ..

     « وإذا أقبل يتحرك ـ نظر إليه الناظر فرأى رجلاً يصفه الأقدمون بأنه « حى القلب » ويصفه المحدثون « بالحركة والحيوية » .

   وتجلت أريحيته فى علاقته بكل إنسان ، ورقت حاشيته للجميع ، ورحمت كل ضعف ، وامتزجت
بكل شعور .

   قال أنس بن مالك رضى الله عنه : « دخل النبى r على أمى فوجد أخى أبا عمير حزيناً . فقال :
يا أم سليم .. ما بال أبى عمير حزينا ؟ …

     فقالت : يا رسول الله مات نغيره . تعنى طيرًا كان يلعب به .

     فقال r أبا عمير ! .. ما فعل النغير ؟ .. وكان كلما رآه قال له ذلك ».

     مثل هذا ، وغيره كثير ، دالٌّ على كمال خلقه وأريحيته ، ورقة حاشيته ، وفيض عطفه ، ودالٌّ على أنه كان قدوة فى الآداب الاجتماعيه ، فكان لا يمد ساقه فى حضور أحد ، ولا يقوم حتى يستأذن مضيفه ، ولا ينفخ فى طعام أو شراب ، ولا يتنفس فى إناء .    

   وخلاصة سمته وآدابه ، عليه السلام ، أنها سماحة فى الأنظار وسماحة القلوب ، فضلا عن عزيمة الزهد والإيمان ، فكان فضلاً عن نبوته ـ عليه السلام ـ رجلا ولا كمثله الرجال .

محمد فى التاريخ

     مكان محمد عليه السلام فى التاريخ ، أن التاريخ كله بعد محمد متصل به مرهون بعمله ، فقد كان التاريخ شيئًا فأصبح بعده شيئًا آخر ، وصار له عليه السلام أثر مشهود فى دوافع التاريخ ، وفى دوافع الشعوب ، وانفتحت برسالته آفاق جديدة فى عالم الضمير ، وفتح فى كل قلب من قلوب أتباعه عالمًا منيرًا بعد أن كان مغلقًا تحيط به الظلمات ، وزاد الإنسان أطيب زيادة يدركها فى هذه الحياة ، فارتفع بها مراتب فى الطريق إلى الله .

     وقد توقف الأستاذ العقاد عند مقارنةٍ عقدها عالم أوروبى لا يدين بالإسلام ، هو الدكتور « ماركس دودز » « Marcus Dodds » ، أوردها فى كتابه « محمد وبوذا والمسيح » ، « Mohammed , Budda and Christ » .. فى هذه المقارنة يقول العالم الأوروبى : ـ

     « أليس محمد نبيًّا على وجه من الوجوه ؟ » .. ثم أجاب قائلا : « إنه على اليقين لصاحب فضيلتين من فضائل الأنبياء : فقـد عـرف حقيقة عن الله لم يعرفها الناس من حوله ، وتمكنت من نفسه نزعة باطنية لا تقاوم لنشر تلك الحقيقة ، وإنه لخليق فى هذه الفضيلة أن يسامى أوفر الأنبياء شجاعة وبطولة بين بنى إسرائيل ، لأنه جازف بحياته فى سبيل الحق ، وصبر على الإيذاء يوما بعد يوم عدة سنين ، وقابل النفى والحرمان والضغينة ، وفقد مودة الأصحاب بغير مبالاة . فصابر على الجملة قصارى ما يصبر عليه إنسان دون الموت الذى نجا منه بالهجرة ، ودأب مع هذا جميعه على بث رسالته غير قادر على إسكاته وعدّ ولا وعيد ولا إغراء .. وربما اهتدى إلى التوحيد أناس آخرون بين عباد الأوثان ، إلا أن أحدا آخر غير محمـد لم يقـم فى العالم مثل ما أقام من إيمان بالوحدانية دائم مكين ، وما أتيح له ذلك إلا لمضاء عزمه أن يحمل الآخرين على الإيمان . فإذا سأل سائل : ما الذى دفع بمحمد إلى إقناع غيره حيث رضى الموحدون بعبادة العزلة ؟ فلا مناص لنا أن نسلم أنه هو العمق والقوة فى إيمانه بصدق ما دعا إليه » .

     والحقيقة التى يراها المنصف مسلما كان أو غير مسلم ـ أن رسول القرآن عليه السلام قد جاءه الإغراء الذى أشار إليه العالم الأوروبى فى أحوال كثيرة فما تغير .. جاءه الإغراء وهو داع مهدد فى سربه ، وجاءه وهو عزيز الشأن بين المؤمنين بدعوته ، فما حفل بالإغراء وهو بعيد من مقصده
ولا حفل له وهو واصل إليه !

*         *         *

   ذهب إليه عتبة بن ربيعة سيد قومه منتدبا من قريش لعله يغرية بالرجوع عن دعوته ، فقال له عتبة متوددًا : « يا ابن أخى .. إنك منا حيث قد علمت من المنزلة فى العشيرة والمكان فى النسب .. وإنك قد أتيت قومك بأمـر عظيـم .. فرقـت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت مَـنْ مضى من آبائهم .. فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظـر فيهـا لعلك تقبـل منا
بعضها ..» .

     فقال له محمد عليه السلام : قل يا أبا الوليد أسمع .

     فقال عتبة وقد إزداد توددًا وأملاً « يا ابن أخى .. إن كنت إنمـا تريد بما جئـت به مـن هذا الأمر مالاً ، جمعنا لك من أموالـنا حتـى تكـون أكثرنـا مالا .. وإن كنت إنما تريد به شرفًا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمـرًا دونـك .. وإن كنت إنما تريد به مُلكًا ملكناك علينا .. وإن كان هذا الوحى الذى يأتيك رئيًّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه . » .

     فما زاد محمد على أن تلا عليه آيات من سورة فصلت ، جعل عتبة يسمعها مذهولا وكأن على رأسه الطير ، ويتمتم لنفسه وهو يعود مبهورًا إلى قومه « ألا ما أحلى هذا الكلام » .

     كان أزهد ما فيه ـ عليه السلام ـ زهده فى النعيم ، وقد فصل التاريخ بينه وبين شانئيه ، وكان حكمه أنفذ من حكمهم ، لأنه بإرادة الله .. وسيمضى التاريخ كما مضى ، أيامًا بعد أيام ، وتتعاقب الأقمار والليالى والشهور ، لتصير تاريخًا لهذه الدعوة التى خرجت بالناس من غياهب الظلام إلى هداية العقيدة والضمير .

يوم الغار

       كان يوم الغار يومًا ليس كالأيام فى التاريخ ، فمنه بدأ حساب التقويم الهجرى ، فهو اليوم الذى هاجر فيه عليه السلام وترك بلده مهاجرًا إلى الله ، ليفتح للإسلام طاقة رحيبة بيثرب بعد أن ضيّق عليه المشركون فى مكة .. يقول تعالى : « إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » (التوبة 40) .

     كان تاريخ النصر فى القرآن إذ هو « ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ » .

     وكان عمر بن الخطاب ملهم الفؤاد حين اقترح أو أجاب اقتراح بداية هذا التقويم .

     فقد كان يوم الغار ، يوم عقيدة ورجاء ، له عبرته وعزاؤه فى كل يوم ، سيما أيام القلق والحيرة والانتظار ..

     لقد كان العالم كله يبحث عن عقيدة روحية ، لأنه ضاق بالحاضر آنذاك وما فيه ، فطلع عليه الصلاة والسلام حاملاً راية النصر يوم الغار ، يوم جعل الله تعالى كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمته سبحانه وتعالى هى العليا ، وأيّد نبيه وصاحبه بجنود لم يروها .

     فى ذلك اليوم ، كان علىّ الذى مكث فى فراش النبى عليه السلام لتضليل قريش عن خروجه ـ كان مجرد فتى يستقبل الدنيا ، وكان أبو بكر كهلاً يدبر عنها ، حين أعانا محمدًا فى يوم «غار ثور» .. ولكنهما كانا معًا على أبواب غدٍ واحد ورجاءٍ واحدٍ , يستوى فيه الفتى والكهل والشيخ الدالف إلى قبره , لأنه كان يوم رجاء الإيمان لا رجاء العيان.

     فتح الإسلام أمامهما : على وأبى بكر ـ باب الحياة الصالحة فى الدنيا , وباب الحياة الخالدة فى الآخرة .. وهكذا فتح محمد عليه الصلاة والسلام للعقيدة أبواب الانتشار , لتتحرك أمة إلى المستقبل فى طلب العقيدة الصالحة للدنيا والآخرة .. فى طلب المسوغ للوجود , لأن الوجود وحده لا يكفى الإنسان ما لم يكن فى رحاب الإيمان .

   فالإيمان للمستقبل ..

   وعسى أن يكون المستقبل للإيمان فيما يرجو الأستاذ العقاد ..

   وعسى أن يستمد العالم عزاءً باقيًا من يوم الغار , ومن صاحب يوم الغار .. عليه الصلاة والسلام.

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *