رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     بعد عشر سنوات مات « ستالين » , فإذا بهؤلاء يتنفسون فى بلاده الصعداء , ويسمع الناس من كبار شخصيات حكمه , أنهم عاشوا بين يديه فى سجن من الكبت والرهبة , ولم يصدقوا بالنجاة إلاَّ بعد موته .

*           *           *

     ويأخذ الأستاذ العقاد على « ماركس » و « إنجلز » ـ أنهما ليس فى وسعهما رغم انتمائهما للطبقة البرجوازية ـ الزعم بتمثيل أخلاق تلك الطبقة فى تصديها لإنصاف الطبقة الأجيرة , وإلاَّ لكان فى هذا الزعم قضاء على مبادئ المذهب وقضاياه فى الأخلاق والاجتماع والفلسفة والاقتصاد .

     ويلاحظ العقاد أن دور التنفيذ كان أبرز لهذه الحقيقة من دور الدعوة , وأن الواضح فى تنفيذ الفلسفة الماركسية بعد الحرب العالمية الأولى ـ أنه قد تصدى لها شرذمة من أفراد سلطوا إرادتهم فى بلاد لم تتهيأ للماركسية بأطوار الصناعة ولا بأطوار الاجتماع , وقد ادعى هؤلاء الأفراد لأنفسهم من الحقوق والسلطات ما لم يجرؤ على ادعائه أشد الناس غلوًّا فى الإيمان « بالفردية » المطلقة لا يجوز إهمال « الفرد » فى تطوير التاريخ

حول هذا المعنى يناقش العقاد موقف « الماركسية » وأشياعها من « الفرد » ودوره فى أطوار التاريخ , ويتوقف عند سمة رئيسية هى « استقلال » الشخصية .. فهى المناط فى التفرقة بين القادر والعاجز , وبين الرئيس والمرءوس , والرجل والطفل , والرشيد والقاصر , وصاحب الثروة والفقير , أو بين رب العائلة ومن يعول .

     ولا تقدم ولا تطور بغير هذا « الاستقلال » فى الشخصية .

     بينما يحرص الماركسيون على تغليب فكرة الإنتاج وقيام المجتمع بغير طبقات , ولا ينتهون بشأن الخصائص الفردية إلى ما يقتضيها , وهى تقتضى فى نظر العقاد الذى ينحاز للحرية وقيمة الفرد ـ أن يكون الأفراد هم المؤثرون فى مجرى التاريخ العام , كشأن فاعلية الأيدروجين فى تكوين الماء ولزومه فى تكوينه .

     فلا تطور للإنسان إلاَّ إنْ استوفى كيانه الفردى , وتمت له الشخصية الإنسانية بتبعاتها وحريتها , واعتبارنا إياه قوة عاملة فى بيئته .

     فكل تطور إنسانى ـ هو تطور للفرد فى طريق الكيان التام للشخصية المستقلة .. وكل تطور للنوع هو إحاطة بالفضائل النوعية فى أوسع نطاق يحتويها .

       فإذا كان هذا هو حكم العقل وحكم الواقع الماثل أمامنا , فإنه كذلك حكم التاريخ , وهذه النظرة إلى تطور النوع سهلة جلية لا تنأى بنا عن الواقع , ولا عن المعقول , بل وتضعنا أمام الواقع والمعقول وجهًا لوجه , وبلا عناء .

*            *           *

     وليس أخطر على حرية الفرد ـ فيما يرى العقاد ـ من الفوضى فى الحياة العالمية , لأنها تسومه عمل الألوف من المطالب حيث لا حاجة به إلى غير مطلب واحد , أو تسومه إهمال الألوف من المطالب حين يحتاج إليها فى أوقاتها ولا يجدها .

     فإذا انتظمت البرامج والخطط على مقدار المطالب والموارد , فإن هذا هو سبيل المعيشة الحرة فى العالم الكبير الذى يتعاون كل جزء منه لإعطاء ما عنده والاستفادة بما عند الآخرين ..  

   وليس هذا افتراضات نظرية ، بل يصادقه التقارب فى المسافات والمصالح الذى يثبته الحس والمشاهدة ..

   والماديون فى العصر الحاضر ، فيما يرى ، أدنى إلى لمس هذه الأطوار التاريخية ، أو هذه المشاهدات الواقعية ـ من الأولين من دعاة مذهبهم قبل مائة سنة .. بيد أنهم لا يرون هذه الحقيقة ولا يريدون أن يروها ..

   بل الأقرب إليهم من رؤية هذه الحقيقة الواقعية ـ أن يتصوروا التاريخ « كمينا » متربصًا بكمين .. ولاحقين يهدمون ما بناه السابقون ، وطبقة واحدة تستأصل جميع
الطبقات ..

     والسبب أنهم يبحثوا عن غرض بعينه ، ولا يبحثون عن أقرب الحلول إلى المحسوس والمعقول !

*         *         *

   ولا ينسى الأستاذ العقاد ولا يتناسى ، أن طائفة من المفكرين من غير الشيوعيين ، يعتقدون اليوم أن العصر يعدل أو يبتعد عن مبادئ الحرية الفردية ، وينظرون إلى خطط التنظيم الاقتصادى أو برامج السنوات الخمس أو العشر ، أو مشروعات التأميم ـ على أنها دليل على هذا التحول من الإيمان باستقلال الفرد وحريته ، إلى الاعتقاد بوجوب الحد من ذلك الاستقلال فى شئون الاجتماع والاقتصاد والحقوق السياسية ..

     ويرى بعضهم أن « الفردية » مبدأ قديم حان الوقت لإعادة النظر فيه ، بيد أن هذا النظر لا يسلم من أخطاء يتتبعها العقاد ويقدم حجته على تهافتها ، فيأخذ على « آدم سميث » أنه لم يخطر على باله قط أن حرية التنافس تمنع الأمم من أن تلجأ إلى تنظيم المعاملات فى أحوال كأحوال الحروب أو ما يشابهها ، ويقفى بأن مذهب « داروين » وما تضمنه عن « أصل الأنواع » ـ خليق بأن يصحح خطأ هذا المفهوم ، لأن تنافس الأفراد أو تنازع البقاء ـ إنما هو لمصلحة الأنواع ، وقد فطن إلى هذا المعنى « كروبتكين » زعيم الفوضوية ، فأبدى أن « حرية الأفراد هى السبيل إلى تقدم الأنواع وبقاء الأصلح منها للبقاء » .

     على أن الإيمان باستقلال الشخصية الإنسانية ، أوسع من مذهب « آدم سميث » ومذهب « داروين » ـ فكان هذا « الاستقلال » ثمرة الثورة ، السياسية أو الدينية ، التى قامت لتحطيم القيود ، واشتركت فيها كافة الطبقات .. العليا والدنيا .

     فإذا كان محصل تاريخ النوع الإنسانى يتلخص فى اتساع العلاقات العالمية ، فإن محصل تاريخ الفرد أن يزداد استقلاله أو تزداد الدعوة إليه على الأقل ، فلا يجسر أحد على إنكاره ..

   من علامات الزمن ، فيما يورد الأستاذ العقاد ، أن الفرد يثبت وجوده أمام طغيان الجماعات ، كما يثبته أمام طغيان الآحاد ..  

( يتبع )

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *