رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

بعد كتاب «الحكم المطلق فى القرن العشرين » ( 1928 ) , وكتاب « اليد القوية فى مصر » ( 1929 ) , ألقى العقاد فى ثلاثينيات القرن الماضى , ثلاثة أحاديث للإذاعة المصرية , عن « النازية والأديان » , وقد صدرت بعد ذلك لاحقا فى كتيب طبع بالقاهرة سنة 1940 , ثم أعاد الأستاذ أحمد هاشم الشريف نشرها بالقاهرة سنة 1979 , ثم نشرت بعد ذلك فى بيروت ضمن الأعمال الكاملة للأستاذ العقاد .

     ومن أهم ما تضمنته هذه الأحاديث الإذاعية الثلاثة , والتى هاجمت النازية بضراوة , أنها كشفت أن عداء النازية لم يكن لليهود أو اليهودية خاصة , وإنما كان عداءً لكافة الأديان , وعادت به الإسلام كما عادت المسيحية , ناظرة للأديان الثلاثة على أنها من
« أصول سامية » .

     وذكر العقاد فى أول أحاديثه الإذاعية , أن حافزه لها كان رسالة قرأها للأستاذ فؤاد حسنين على , مدرس اللغات السامية بالجامعة المصرية , بعنوان : « الإسلام والنازية » , يرد بها على الداعية الألمانى « رودلف بيك » الذى أوسع الإسلام طعنًا وقذفًا فى مقال له عن الإسلام , ضمن محاضرات روج بها المبشرون لما يسمونه « العقيدة الجرمانية
الجديدة » , بلغ فيه التهجم على الإسلام حد وصفه بأنه « دين ذلة وخنوع » , وبأنه ثمرة من ثمرات العقل السامى الذى تحتقره النازية وتلصق به أبشع العيوب .

     وهذا التهجم على الإسلام , مثال لتهجم النازية على الأديان كافة , ولاسيما اليهودية والمسيحية , فهما فى نظر النازية دينان ساميان , ينتميان إلى « السامية » التى تكن لها النازية عداءً شديدًا .

     وتساءل العقاد : لماذا هذه الكراهية للأديان عند النازيين ؟! ولماذا هذه الحملة على الإسلام وغير الإسلام ؟

     ليست المسألة عندهم مسألة عقيدة دينية ولا مسألة فلسفة ولا بحث عن الحقائق العليا فى الوجود , وإنما هم فى الحقيقة يعاملون الأديان معاملتهم لقوة سياسية تعاكسهم وتحول بينهم وبين تحقيق أغراضهم , ويسلكون فى معاملتها مسلك المناورات الحزبية أو أساليب المراوغة والهجوم بين الخصوم . ولذلك اختلفت كتاباتهم وأقوالهم عن الدين بين زمن وزمن تبعا لتغيرت الظروف ومقتضياتها . فيبدى هتلر فى كتابه « كفاحى » أن دعوتهم ليست انقلابًا فى الدين , وإنما ترمى إلى إعادة تنظيم الشعب من الوجهة السياسية , وأنها تنظر إلى المذهبين الدينيين ـ يقصد الكاثوليكية والبروتستانية ـ نظرتها إلى ركنيْن قيميْن ينبنى عليها وجود الشعب .

     اختطت النازية هذا الخطاب حال ضعفهم بالمراحل الأولى , لكسب الأنصار من رجال الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانية , فلما قويت الدعوة وقبضوا على عنان الدولة ـ تغير الخطاب وتغيرت اللهجة , وكشفت النازية عن أنها ترى أن العقائد خطر شديد على الألمان يجب أن يزول , اكتفاءً بما يسمونه « عقيدة الجرمان » , وطفق هتلر يعلن أن جميع الأديان أيًّا كانت كينونتها أو مسمياتها ـ لا مستقبل لها ولا سيما بين الجرمان .

     وعلى ذلك فالعقيدة الجرمانية الآرية التى يلغطون بها , ليست إلاَّ مسألة فرص ومناورات , تستهدف الامتداد إلى البلدان الغنية بالموارد والخامات وبالمناجم والصناعات , ولذلك يجب أن يكون الآريون سادة العالم !

     اخترع النازيون الدين الجديد , لأنه لا سبيل لتحقيق أغراضهم إلاَّ إذا تركوا ضمائر الناس فى أيدى غير أيديهم , وتركوا عقائد الناس توافقهم تارة وتخالفهم أخرى , وليس أدل على سوء عملهم من حاجتهم لتكبيل ضمائر الشعب وتسخيرها لهم !

   وقد كان ذلك شأن والاستبداد البروسى من أقدم عصوره إلى أحدثها فى إبان الثورة الفرنسية وما بعدها . وليس الدين النازى الجديد إلاَّ الطبعة العصرية من فلسفة
« آل هوهنزلرن » أو فلسفة الدعاة الذين ظفروا منهم بالحظوة دون سائر الدعاة من الباحثين والأدباء .

     وربما يتساءل البعض , لماذا يصنع النازيون ما صنعه المستبدون الأقدمون ؟ ولماذا لم يعقدوا تحالف منافع مع رجال الدين ؟

     الجواب أن ذلك لا يتسنى لهم , لأن المعارف الحديثة صارت تحول دون احتكار رجال الدين للعقول فى تفسير مشيئة الله , ولأن الأديان بطبيعتها عامة بين الأمم ، بينما يعمل النازيون لعصبية وطنية خاصة , وبهذه العلة صرح « رينولد كروس » أحد دعاتهم النابهين , فقال إن المسيحية « عالمية » فى شعورها , ومن المستحيل التوفيق بين اعترافك بالريخ الثالث وقولك إن طاعة الله مقدمة على طاعة الإنسان !

     إنكار النازية للأديان , هدفه تكبيل الضمير وتسخير الشعب الألمانى للمراد !  

( يتبع )

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *