رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

   إختار الأستاذ العقاد هذا المقال ليبدأ به المجموعة ، وقد نشر بالبلاغ فى14/4/1925، ليبدى للقراء أن أسباب انصرافه عن الكتابة فى الأدب فى الفترة السابقٌة ـ أزمات السياسة التى شغلت الناس عما سواها ، وشئ من الشك تسرب إلى عقيدته فى إصلاح الآداب العربية ، ألقى فى نفسه أن الفروق فى فهم الأدب وتقديره بين الأقوام ـ إنما هى فروق فى العنصر والطبيعة قل أن يصلح منها الإطلاع ، أو يجدى فيها الإرشاد والانتقاد .

       وهكذا يخرج الأستاذ العقاد مما قد يعد اعتذارًا عن عدم إعطاء الأدب حقه عليه فى تلك الفترة الماضية ، إلى فتح قضية مهمة فى الأدب ، يبدى فيها ـ فى إشارة لا تفوت إلى معركة الديوان التى فجرها صدور الكتاب سنة 1921 ـ أنه كان يرى أن المقياس الذى يقيس به الشعر والفن ، يختلف اختلافًا بعيدًا عن مقاييسهما فى عرف أكثر الخاصة والعامة وذوى الثقافة ، والجهلاء الآخذين بالسماع والتقليد ، الذين يعتبرون أرقى ما يرقى إليه
الأدب
ـ فى رأيهم ـ أن يكون زخرفًا هندسيًا أو حليًة بجسم مشتهى .. إذا انفصلت عنه
يموت .. وليس هذا من جمال الحياة الذى ينبض به الدم فى العروق وينمو نمو الطبيعة الحية ، والذى إذا تخلف
ـ أى هذا الجمال الحى ـ عن الأدب ، بطلت قيمته وتهدم هيكله وصار أرخص من سائر الصناعات ، وليس بأشرفها كما ينبغى فى المقاصد والأصول .

     الزخرف الهندسى الذى يعنيه ، هو التزويق الذى لا يمت للحياة بسبب إلاَّ المسطرة والفرجار ، وليس فيه صورة من صور الحياة النامية ، بل هو خالٍ من روح الحياة ، وكأنه لا فرق بين الحياة فى بناء الجدران ، والحياة فى بناء الكلام .

     وقد تلقى من تتوسم فيه العلم بالأدب الصحيح ، والبصر بأقدار وقيمة الكلام ، ومعرفة آثار كبار شعراء الغرب ، حتى إذا ما تحدثت إليه قليلا فوجئت به لا يتقن سوى « ترديد » محفوظات بغير وعى عن الأدب العربى ، وإذ بهذا المعجب بموليير ودى موسيه
وسان بيف
ـ بل بشكسبير وملتون وبيرون وهازليت ولسنج وهينى ، لا يعرف عنهم شيئا ، ولا يترنم إلاَّ بأبيات من أسخف ما قيل من نظم عربى بزخارف مرصوصة بالمعانى الهندسية والتشبيهات الشكلية ، لم تتأصل فيها الحياة ولم يتسع لها أو فيها أفق !

     وربما سمعت من آخر نقدًا وازدراءً واستهزاءً بتلك التشبيهات والزخارف ، حتى تخاله حسن النقد عارفًا بالجيد والردئ ومن آدابنا العربية ، فإذا ما أقبلت عليه مؤتنثًا
إلى رأيه ، فوجئت به ينشدك أبياتا من نظمه أو نظم غيره
ـ يستحسن فيها ما يستهجنه هناك ، ويحل ما كان يزدريه ! لتكتشف أنه لا يعدو أن يكون مقلدًا .. مقلدًا فى استهجانه للتقليد ، ومقلدًا فى الإعجاب والاستحسان ، ومقلدًا فيما يقول تقليدًا مركبًا !

     يمضى الأستاذ العقاد فى ضرب الأمثلة ، حتى يصل إلى بيت القصيد الذى أضناه
ويضنيه ، أن الناس لم تعد تفسح لسماع صاحب فكرة صائبة تميز بين الصواب والخطأ ، وكأن كلٌّ واجبه
ـ فى نظرهم ـ أن يسرى عنهم ويلعب أمامهم كلما دعوه إلى اللعب على هواهم . وقل من أبناء هذا الجيل من يظن أن للأديب حقًّا مقدسًا فى أن يرشد ويجهد وفى أن يجد ويبرم ، فكل شئ متاح لديهم بالدراهم ، ولا حاجة للإنسان إذن إلى المزيد المجهد من صفات الكمال ودواعى الاحترام !

     ليس الأدب الآن ـ آنذاك ـ رسالة الحياة التى توحى بها شعرًا أو نثرًا على ألسنة وأقلام المختارين من أصفيائها ، ولا هو صلاة الروح التى لا تنبس بها حتى تتطهر من صغائرها وأدوائها ، ولا هو مناجاة الأسرة الواحدة التى يتلقاها الأخوة من إخوانهم والأبناء من آبائهم ، ولا هو نداء الرائد الذى يشير للأمم إلى البعيد المنظور من آفاقها . لا ، ليس الأدب شيئا من ذلك ولا شبيها بشئ من ذلك !

     وليس من الصعب إذن على النفس ـ أن تهجر الكتابة فة الأدب بهذا المقياس الذى يفهمه الأكثرون ويقيسون به .. ولا يحجب الأستاذ العقاد فى عتاب مّر ، أنه لو علم أن قصارى ما يسمو إليه الأدب أن يروح بأوراقه فى وجه القارئ كما يروح الخادم على وجه سيده « المنصرف عنه » بنعاسه وشجونه ، لما كتب حرفًا واحدًا مما كتب !

     ولكنه يحمد الله أن قارئ الأدب الذى يحبه ، لم يسومه أن يحمل إليه المروحة ويروح عنه فى ساعة النعاس ، وأن هؤلاء ليسوا بقلة كما قد يبدو لأول وهلة ، فقد عرف ذلك مما حملته إليه رسائلهم وتحياتهم والتفاتُهم .

     والآن ، وقد هدأت العاصفة السياسية بعض الهدوء ، وغلب الأمل على وساوس الشك والفتور ، فإنه يعود إلى الأدب فيعطيه حقه يومًا فى الأسبوع ، معتذرا بعض الاعتذار
ـ
لا كله ـ عن تركه فى الأشهر الماضية أو مشاركته فيما له من حقوق الإقبال عليه
والعناية به . فهو لم يتركه كل الترك ، ولم يشتغل عنه بالسياسة كل الاشتغال .

       نعم ، لا يرى الأستاذ العقاد أنه اشتغل بالسياسة عن الأدب كل الاشتغال ، ولا نسى عهده للأدب كل النسيان ، فهو لم يخُلق للسياسة على منوال أناس خلقوا لها ولا يظن أنه منهم ، أما السياسة التى يعرفها فهى على صلة بالأدب كما يعرفه ويميل إليه ، وأنه بالنظر إلى القرابة بين السياسة الأدبية والأدب السياسى ، فإن عدة الأديب فى ميدانه لا تختلف عن عدة السياسى بهذا المنظور ، فالأدب عنده شجرة طعمت بغصن من السياسة ، فتغير طعم الثمرة بعض الشئ ، ولكن لم تتغير التربة ولا الجذور !    

( يتبع )

ججج          

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *