رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

أصدر الأستاذ العقاد سنة 1926 , وهو لما يزل بعد فى الثلاثينات من عمره , مجموعته الكبيرة التأسيسية الثالثة « مراجعات فى الآداب والفنون » , ولم يتيسر لى الحصول على طبعتها الأولى التى صدرت بالقاهرة , وحصلت على الطبعة البيروتية التى أصدرتها المكتبة العصرية ببيروت سنة 1983 , ومفهوم من مقدمتها أنه سبقتها طبعة على الأقل فى حياة الأستاذ العقاد , وهذا مستفاد مما ورد فى تقديمه لها أنه تفضل بإعادة طبعها الأستاذ صاحب المطبعة العصرية الذى رأى أن يحفظها فى كتاب يضمه إلى السمط الأنيق الذى يتولاه بعنايته وتنضيده .

       وقد صدرت الطبعة البيروتية خالية من تواريخ ومواضع نشر المقالات التى تضمنتها , ولكنى استطعت أن أهتدى إلى مواضع وتواريخ نشرها جميعًا عدا مقال واحد , وقد نشر أقدمها فى صحيفة البيان فى صفر وربيع أول وربيع ثان سنة 1331 هـ , وتقابل شهور فبراير ومارس وأبريل 1913 م , حيث لم تبدأ البيان فى الصدور بالتقويم الميلادى إلاَّ ابتداء من سنة 1914 م . ونشر مقال من مجموعة المقالات بمجلة الهلال فى نوفمبر 1924 , أما باقى أو بالأحرى معظم المقالات فقد نشرت بجريدة البلاغ خلال الفترة من 14/4/1925 حتى 17/11/1925 , ومن الحق أن يزجى الشكر إلى موسوعة « أعلام الأدب المعاصر فى مصر » ( العقاد 5/ 2,1 ) والتى وثقت هذه المعلومات الدقيقة , والتى لولاها لأنفقنا سنوات فى العثور على مواضع وتواريخ نشر هذه المقالات , وهذه بيانات بالغة الأهمية فى رصد مسيرة الأستاذ العقاد .

       جدير بالذكر أيضا , وكما ذكرنا بمناسبة « الفصول » و « المطالعات » أن المقالات المنشورة بالمراجعات , هى نذر يسير من إنتاج العقاد منذ صدور « المطالعات » سنة 1924 , وحتى صدور « المراجعات » سنة 1926 , فقد كان الأستاذ العقاد حاضرًا حضورًا كثيفا فى الحياة السياسية , وكتب أكثر من ستمائة مقال سياسى فى الشئون والقضايا الوطنية , ويمكن لمن يريد ـ الرجوع إلى عناوينها ومواضع وتواريخ نشرها بموسوعة « أعلام الأدب المعاصر فى مصر » ( العقاد 5/ 1 ـ ص 293 ـ 340 )

       وللمرة الثالثة يورى الأستاذ العقاد ، بإهتمامه بالفصل بين الجانب السياسى والجانب الأدبى فى إنتاجه ، فلا يورد بالمجموعات إلاَّ ما كتبه فى الفكر والشعر والأدب والنقد.

*         *         *

       فى تقديمه لمجموعة « مراجعات فى الآداب والفنون » ، يبدى الأستاذ العقاد أن سبب تسميتها بالمراجعات أن المراجعة هى طريقته فيما يكتب من المباحث على الإجمال ، فيندر أن تكون الفكرة التى يكتب فيها بنت يومها ، وقلما تخلو من تاريخ سالف تتنقل فيه الفكرة لديه كما يتنقل الكائن الحى فى أدوار حياته ، ولكل فكرة أثبتها ـ ميلادها وتكوينها وترتيبها وحوادث سيرتها وخطوط أيامها ، فلا تزال تنمو وتكبر وتترقى فى تكوينها وترتيبها حتى تبلغ تمامها وتوفى على غايتها ، ثم تجئ المناسبة لإثباتها فيراجع ماضيها وينظر إليها فى هيئتها الأخيرة كأنه أب ينظر إلى وليده لا كما يراه الناس فردًا واحدًا ، وإنما كأب يراه فى تقلباته بين الطفولة والشباب وما يتعاوره من النقص والكمال ، حتى يتمثله كما يحب له فى موقع المحبة والإعزاز !

       وسواء كانت « المناسبة » التى دعته للكتابة كلمةً استوقفته أو رأيًا سمعه أو شاهدًة حركته إلى البحث ، فإن شيئًا من ذلك لا يفصل الفكرة عن جذورها وعن جذوعها التى نبتت عليها ، ولا يخرجها عن الأصل الذى امتزجت به لديه كما لو كانت سيرة حياتها من سيرة حياته . 

ويضيف الأستاذ العقاد ، أن بعض الناقدين قد يرون أنه يتأثر بما قرأ فيما يكتب ، وليس هذا صحيحا ، فهو لا يحسب تفكير الإنسان إلاَّ جزءًا من الحياة ونوعًا من الأبوة ، وليس يسره أن تحسب له أفكار كل من أقلتهم الأرض من الأدباء والحكماء والعلماء إذا كانت غريبة عنه بعيدة عن الانتساب إلى نفسه . هذه هى الحقيقة التى لا ينازع من يرى غيرها .

     إن المراجعة هى إذن طريقته فى البحث ، يراجع سيرة كل فكرة ويثوب بالنظر إلى مصدر كل مشاهدة ، وقد يحسن أن يلم بأسلوب النظر الذى يميل إليه بالفطرة ويؤثره على سواه بعد التجربة ، ناظرًا إلى الدنيا نظرة فيها من الشمول أكثر مما فيها من التفصيل .

     وليس صحيحا ما قد يقال إن هذا النظر فيه مجافاة للواقع ، بل هو نظر يوسع الواقع ويمتد بحدوده إلى آفاق أبعد من الآفاق التى نحصر فيها قيم الأشياء وأقدار الأحياء .

     والواقع أن « رجال الأعمال » ومن يسمون أنفسهم « برجال الحقائق المحسوسة » ـ لا ينظرون إلى « الواقع » المقرر ، ولكنهم ينظرون إلى جزءٍ منه محصور فى حيز الحاضر الراهن ، دون التفطن إلى أن خلقة الإنسان الفرد لا تحسب حساب مكان معين أو فترة محدودة ، وإنما محسوب فيها صلات كثيرة بالكون كله وبأجيال الحياة كافة . وهذا
هو « الواقع الصحيح » حتى وان أعتبره أصحاب « الواقع المموه » ضربًا من ضروب الخيال .

     ويختم الأستاذ العقاد مقدمته بأنه بهذه المراجعة كتب هذه المراجعات ، وعلى
هذا النظر اعتمد ويعتمد فيما يرى ويكتب ، وأنه على هذا العهد يتقدم بهذه المجموعة إلى القراء .         ( يتبع )

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *